محمد جمال الدين القاسمي

267

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

فصل وأما إدخال أسماء اللّه وصفاته أو بعض ذلك في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا اللّه ، أو اعتقاد أن ذلك هو المتشابه الذي استأثر اللّه بعلم تأويله كما يقول كلّ واحد من القولين طوائف من أصحابنا وغيرهم ، فإنهم ، وإن أصابوا في كثير مما يقولونه ونجوا من بدع وقع فيها غيرهم ، فالكلام على هذا من وجهين : الأول - من قال إن هذا من المتشابه وأنه لا يفهم معناه ، ما الدليل على ذلك ؟ فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ، ولا من الأئمة ، لا أحمد بن حنبل ولا غيره ، أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية ، ونفى أن يعلم أحد معناه ، وجعلوا أسماء اللّه وصفاته بمنزلة الكلام الأعجميّ الذي لا يفهم . ولا قالوا إن اللّه ينزل كلاما لا يفهم أحد معناه . وإنما قالوا : كلمات لها معان صحيحة . قالوا في أحاديث الصفات : تمرّ كما جاءت ، ونهو عن تأويلات الجهمية وردّوها وأبطلوها . التي مضمونها تعطيل النصوص على ما دلت عليه . ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية ، ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها ، ويفهمون منها بعض ما دلت عليه ، كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد والوعيد والفضائل وغير ذلك . وأحمد قد قال : في غير أحاديث الصفات : تمر كما جاءت في أحاديث الوعد . مثل : من غشنا فليس منا « 1 » . وأحاديث الفضائل . ومقصوده بذلك أن الحديث لا يحرف كله عن مواضعه كما يفعله من يحرفه ويسمي تحريفه تأويلا ، بالعرف المتأخر . فتأويل هؤلاء المتأخرين عند الأئمة تحريف باطل . وكذلك نص أحمد في كتاب الرد على الزنادقة الجهمية أنهم تمسكوا بمتشابه القرآن . وتكلم أحمد على ذلك المتشابه ، وبين معناه وتفسيره بما يخالف تأويل الجهمية ، وجرى في ذلك على سنن الأئمة قبله . فهذا اتفاق من الأئمة على أنه يعلمون معنى هذا المتشابه وأنه لا يسكت عن بيانه وتفسيره . بل يبين ويفسر . فاتفاق الأئمة من غير تحريف له عن مواضعه أو إلحاد في أسماء اللّه وآياته . ومما يوضح لك ما وقع هنا من الاضطراب ، أن أهل السنة متفقون على إبطال

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث 164 ونصه : عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « من حمل علينا السلاح فليس منا ، ومن غشنا فليس منا » .